مؤسس الفلسفة الذرية هو ليوقيبوس الذي يرجح أنه من مدينة ملطية . وقد صاغ ليوقيبوس المبادئ الأساسية للمذهب الذري ، القائل بأن كل ما في العالم يتألف من ذرات Atoms صغيرة للغاية ، بسيطة لا تقبل التجزئة ، ومن خلاء تتحرك فيه هذه الذرات. يسلم الذريون بوجود لا نهائي من الدقائق المادية ، التي تتألف منها الأشياء . وهم يقرون بوجود الخلاء ، الضروري لحركة هذه الدقائق . كما أنهم ينفون قابلية هذه الدقائق للتجزئة إلى ما لا نهاية، فالذرات لا تنقسم. وهكذا تتألف الأشياء من عدد كبير من الذرات الصغيرة للغاية ، ولكنها بحكم امتناعها على التجزئة ، لا تتحول إلى عدم .
وجاء ديمقريطس وصاغ مذهبا ماديا للفلسفة الذرية ، وجعل النظرية واسعة الشهرة.
ديمقريطس (460 – بداية القرن الرابع ق. م.) Democrite
حياته وآثاره:
ولد ديمقريطس في أسرة غنية ، في مدينة أبديرا في ثراقية. وقام بعدد كبير من الرحلات إلى بلدان الشرق. اشتهرت أعماله بالموسوعية حيث أسهم في مختلف العلوم والفنون، في الفلسفة والمنطق، وعلم النفس، والأخلاق، والسياسية، والفن، واللغة، والرياضيات، والفيزياء، والفلك.
فلسفته – (الذرات):
ليس في العالم إلا الخلاء والذرات، منها تتألف جميع الموجودات فالذرات تتميز إحداها عن الأخرى، وإن هذه الفروق الأولية هي علة الفروق جميعا. وهكذا يفضي المذهب الذري إلى الاعتراف بالسببية الشاملة في العالم.
ويعمم ديمقريطس آراءه الذرية لتشمل الحياة والروح أيضا. وهو يرجع ظهور الكائنات الحية إلى الظروف والشروط الطبيعية، دونما أية غاية، أو علة خارجية مفارقة.
ويرى أنه حياة الكائنات الحية وموتها، يعودان إلى إتحاد الذرات وانفصالها، والنفس أيضا، تتألف من ذرات نارية، وهي عبارة عن ائتلاف مؤقت لها. لقد زعزعت آراء ديمقريطس في النفس دعائم التصورات الدينية التقليدية. كما فقدت الآلهة صفاتها الخارقة، فهم كالبشر، مركبون من ذرات، إلا أنهم أقوى وأكثر حكمة، لكنهم لا يخلدون ولا يصنعون المعجزات.
لقد كانت فلسفة ديمقريطس خطوة هائلة في تطور المادية اليونانية. وبقيت النظرية المادية أساسا لكل التطور اللاحق للعلوم الطبيعية النظرية فيما يخص بنيان المادة.
أنكساغوراس (500 – 438 ق. م.) Anexagore
حياته وآثاره:
ولد أنكساغوراس في كلازومينيا في آسيا الصغرى حوالى 500 ق. م. وهو من أسرة نبيلة ويملك ثروة طائلة وقد أهمل أملاكه سعيا وراء المعرفة والعلم والفلسفة.
ترك أنكساغوراس موطنه واستقر في أثينا، وكان هو الذي نقل الفلسفة إلى أثينا وأصبحت منذ أيامه المركز الرئيسي للفكر اليوناني. وفي أثينا اتصل بكل المشهورين في عصره، وكان صديقا لبركليس السياسي وايوربيدرس الشاعر. غير أن صداقته لبركليس كلفته غاليا. فلقد كان هناك قطاع سياسي معارض لبركليس، وقد صمم أعداء بركليس على الحاق الأذى بأنكساغوراس ومن ثم وجهت إليه تهمة الإلحاد. والإتهام هو أن أنكساغوراس قال أن الشمس حجر ملتهب أحمر وأن القمر مصنوع من الأرض. غير أن اليونانيين اعتبروا الأجرام السماوية آلهة. ولهذا وجهت التهمة إلى أنكساغوراس وحوكم وأدين. ولكن يبدوا أن أنكساغوراس هرب بمساعدة بركليس، ومن أثينا رجع إلى مسقط رأسه في آسيا الصغرى، واستقر في لامباسكوس ومات هناك وهو في الثانية والسبعين من عمره. وقد ألف بحث دون فيه أفكاره الفلسفية.
فلسفته – (العقل الكلي):
لقد أنكر أنكساغوراس وجود أية صيرورة مطلقة لانتقال وتحول الوجود إلى اللاوجود واللاوجود إلى الوجود. والصيرورة يجب أن تعد بخلط وتحليل أجزائها المركبة.
يعتقد أنكساغوراس أن الأنواع المختلفة للمادة نهائية وقصوى، أي ان الأشياء مثل الذهب والتراب والماء، هي أنواع نهائية للمادة لا تصدر عن أي شيء آخر ولا تتحول من مادة إلى أخرى.
كما يعتقد أن المادة يمكن أن تنقسم إلى مالا نهاية. وفي البداية كل أنواع المادة هذه كانت مختلطة معا في كتلة سديمية. وهذه الكتلة تمتد إلى ما لا نهاية عبر المكان والأنواع المختلفة للمادة تختلط وتنفذ كل منها في الأخرى. وصيرورة تشكيل العالم تحدث من جراء عدم خلط ما هو مختلط لجميع أنواع المادة وتجميع المادة المتشابهة مع المادة المتشابهة. ولما كانت المادة تنقسم إلى ما لا نهاية والخليط الأصلي للعناصر كاملا فإنها مختلطة بقدر لا متناه.
لقد اعتبر انكساغوراس القوة المحركة - لتفسير العملية العالمية الخاصة بفصل الخليط - أنها قوة غير فيزيائية وغير جسمانية كلية، إنها العقل الكلي ، والعقل الكلي هو الذي ينتج الحركة في الأشياء التي تتسبب في تشكيل العالم.
العالم محكوم على نحو عقلاني فهو يتحرك نحو غايات محددة. وما يمكن أن يقدمه القانون والنظام هو العقل وحده ومن ثم فلابد من عقل كلي يدبر العالم. لقد وصف انكساغوراس العقل بأنه "أدق الأشياء وأنقاها"، وقال أيضا أنه "غير مختلط" وأنه لا يحتوي فيه أي خليط من أي شيء بجانب ذاته.
ولما كان العقل هو أساس الحركة فإنه هو نفسه غير متحرك. لقد أقام أنكساغوراس فكرته عن وجود العقل على أساس التصميم الذي يظهر نفسه في العالم.
ترجع أهمية نظرية العقل لدى أنكساغوراس، أنها كانت المرة الأولى التي تتم فيها تفرقة محددة بين الجسماني واللاجسماني. لقد اعتبر العقل هو العلة الأولى، وهذه هي الخاصية المميزة لكل النزعة الآلية أي العودة إلى العلل الأولى.
لقد كان انكساغوراس آخر فيلسوف في المرحلة الأولى من الفلسفة اليونانية. هذه المرحلة تتميز بأن العقل اليوناني فيها لا يتطلع إلا إلى العالم الخارجي، فهي تحاول أن تفسر عمليات الطبيعة. غير أن التحول إلى الدراسة الاستنباطية للعقل وجدت في العقل عند انكساغوراس قد برز كمشكلة فلسفية.