إذا كانت المشكلة المطروحة في المرحلة الأولى من الفلسفة هي أصل العالم وتفسير الوجود وصيرورة الطبيعة ، فإن المرحلة الثانية تبدأ بالسوفسطائيين بطرح مشكلة وضع الانسان في الكون . لقد كانت آراء الفلاسفة الأول كونية أما آراء السوفسطائيين فهي إنسانية تماما .
حياتهم وآثارهم :
انتصرت الديمقراطية في اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد حيث كانت الظروف الدينية والسياسية والاجتماعية هي السائدة خلال تلك الفترة ، ولكن لم تكن اليونان القديمة أمة واحدة تحت حكم واحد ، فكل مدينة تكاد تكون دولة مستقلة لا تحكمها سوى قوانينها ، ففي اليونان كل مواطن هو نفسه سياسي ومشروع . وفي هذه الظروف فإن شعور الانحياز والمصالح الخاصة هو البارز . واصبح الطمع والطموح والأنانية والذاتية المطلقة والهوى الجموح هي الموجات السائدة في الحياة السياسية في تلك الفترة .
وانهيار الدين سار جنبا إلى جنب مع نهضة الديمقراطية والإيمان بالآلهة يكاد يكون موضع الشك ، وهذا يرجع إلى الانحطاط الخلقي للدين اليوناني . وخيمت على الشعب اليوناني موجة من العقلانية والشكية ، واصبح العصر عصر التفكير السلبي والنقدي والهادم . وحدث نقد ورفض للأخلاقيات والعادات والتقاليد والسلطة ، فالأخلاقيات والقوانين اعتبرت غير مرغوبة لأنها تشكل قيودا على دوافع الانسان الطبيعية .
وتعد تعاليم السوفسطائيين مجرد انتقال إلى القضايا النظرية لهذه الاتجاهات العملية لتلك الفترة .
فمن هم السوفسطائيون ؟
لم يكونوا مدرسة للفلاسفة ، وليس عندهم أي مذهب للفلسفة يشتركون فيه جميعا . لقد كانوا فئة محترفة ، ولهذا كانوا متناثرين في جميع أنحاء اليونان ، لقد كانوا أساتذة ومربين محترفين .
ويرجع ظهور السوفسطائيين إلى الطلب المتزايد على التعليم الشعبي الذي كان مطلبا من أجل المعرفة ، والنجاح السياسي .
أخذ السوفسطائيون يطوفون باليونان لتعليم القدرة على فن الخطابة ، واتخذوا لهم تلاميذ وحصلوا مقابل هذه الخدمات على أجور باهضة . لقد وصف السوفسطائيون على أنهم معلموا فضيلة (أي قدرة الشخص على أن يؤدي بنجاح وظائفه في الدولة) . لقد أخذ السوفسطائيون على عاتقهم أن يدربوا الناس على الفضيلة لجعلهم مواطنين ناجحين في الدولة . ومن هنا فإن السوفسطائيون يركزون على تعلم البلاغة والخطابة . لقد كانوا مهرة وبارعين بدلا من أن يكونوا صادقين . وأشهر ممثلي السوفسطائية بروتاغوراس ، وجورجياس .
بروتاغوراس (480 - 410 ق.م.) Protagore
حياته وآثاره :
ولد بروتاغوراس في أبديرا حوالي 480 ، واستقر في أثينا . وقد أتهم في أثينا بالالحاد والتحلل لتأليفه كتاب عن موضوع الآلهة ، ولقد أحرق الكتاب ، وقد هرب بروتاغوراس إلى صقلية لكنه غرق وهو في طريقه حوالي عام 410 ق.م.
فلسفته - (الإنسان مقياس الأشياء):
بروتاغوراس هو صاحب القول الشهير (الإنسان هو معيار كل الأشياء ، معيار ما هو موجود فيكون موجودا ، ومعيار ما ليس بموجود فلا يكون موجودا). وهو لا يقصد بالإنسان البشرية ، بل الإنسان الفرد ، إن كل إنسان فرد هو مقياس ، ما هو حقيقي بالنسبة له ، وليس هناك حقيقة سوى إحساسات وانطباعات كل إنسان . وما يبدو صادقا بالنسبة لي فهو صادق ، وما يبدو صادقا بالنسبة لك فهو صادق بالنسبة لك .
وما تقصده هذه التعاليم هو أنه لا توجد حقيقة موضوعية ، ولا توجد حقيقة مستقلة عن الذات الفردية . وما يبدو للفرد أنه حقيقي هو حقيقي بالنسبة لهذا الفرد .
وهكذا فإن الحقيقة متطابقة مع الإحساسات والانطباعات الذاتية - فإذا كانت المعرفة تعتمد على هذه الانطباعات فإن الحقيقة عن الشيء لا يمكن أن تتأكد ، وهكذا ترقى تلك الفلسفة إلى مستوى الأعلان بنسبة كافة المفاهيم الإنسانية بما فيها المعايير والقيم الأخلاقية .
جورجياس
أما جورجياس فقد اشتهر بقضاياه الثلاث التالية :
- لا يوجد شيء .
- إذا وجد شيء فلا يمكن معرفته .
- إذا أمكن معرفته فلا يمكن نقل معرفته إلى الآخرين .
- آراء السوفسطائيون السياسية : أن قوانين الدولة تتأسس على القوة والعادة والقناعة . فالدولة هي من اختراع الضعفاء الذين بلغ بهم المكر مداه ، وقد لجأوا إلى هذه الحيلة للسيطرة على الأقوياء ، وان قانون القوة ليس إلا القانون الوحيد الذي تعترف به الطبيعة ، وهكذا كان السوفسطائيون أول من روجوا لمذهب القوة هي الحق .
- لقد كان عصر السوفسطائيون (عصر نهضة) ، يوضع التأكيد كله على الفرد ، ويصبح الفكر متمركزا حول الذات ، إن الفردية هي نغمة سائدة والذاتية المتطرفة هي مبدأ العصر .
إن التعاليم السوفسطائية هي اتجاه مدمر ومعاد ، انه مدمر للدين والأخلاقيات وأسس الدولة وكل المؤسسات القائمة .
سقراط (469 - 399 ق.م.) Socrate
حياته وآثاره :
وسط انهيار الأخلاقيات من جراء السوفسطائيين ظهرت في أثينا شخصية سقراط ، أول الفلاسفة الكبار في اليونان القديمة .
لقد كان أبوه نحاتا وأمه قابلة ، وقد اشتغل كأبيه نحاتا ، لكنه تخلى عن مهمته في سن مبكرة لكي يكرس نفسه لتأدية رسالته في الحياة ، الا وهي الفلسفة .
ولقد أمضى حياته في أثينا ولم يغادرها سوى لفترات قصيرة ، ولقد اشتغل بالفلسفة في أثينا طوال حياته إلى أن اتهم وهو في السبعين بإنكار الآلهة القومية وإفساد الشباب ... وبسبب هذه التهم حكم عليه بالموت .
والمظهر الشخصي لسقراط شنيع ، فهو قصير القامة ، أصلع وأنفه عريض ، وهو يمشي على نحو غريب وله عادة تحريك عينيه بشكل دائري ، وهو لا يعبأ بالمظاهر الخارجية على الإطلاق .
ويؤمن سقراط بأنه مستلهم في أعماله بصوت علوي يسميه الشيطان ، وهذا الصوت أعطاه القدرة على تمييز النتائج الطيبة من الشريرة لأعماله . ولم يشيد سقراط أي مذهب فلسفي ، بل هو مؤلف نزعات فلسفية ومنهج فلسفي ، وطريقته في التفلسف قائمة على الجدال : كان يتوجه إلى السوق في أثينا يوميا ، حيث يتجمع فيها الناس وهناك ينخرط في النقاش مع أي شخص مستعد للتحدث معه عن المشكلات العميقة للحياة والموت ...
ولم يكن يتقاضى أجرا وظل دائما إنسانا فقيرا . كان في المحادثة يعمل مداخلات وتعليقات مع المتحدث . ومع ذلك يبقى سيد الموقف في المحادثة ويوجهها إلى وجهات مثمرة .
أما الطريقة السقراطية - التهكمية - فإن سقراط كان يقوم في أية في أية مناقشة بالاعتراف بأنه جاهل بالموضوع المطروح وأنه ليس مهتما غلا بتعلم الحكمة التي لدى المتحاور معه .
ومع هذا اتخذ من الاحتراف الجهل هذا سلاحا هجوميا وتحول على يديه إلى سلاح خطابي استخدمه ضد أولئك المتباهين بأهميتهم وحكمتهم والمتظاهرين بمعرفة ليست لديهم . ومثل هذا التظاهر بالمعرفة يفضحه سقراط دون هوادة .
ولقد كان شباب أثينا هو الذي تجمع حول سقراط الذي كان بالنسبة لهم مركزا للنشاط الثقافي وينبوعا للإلهام ، وهذه الواقعة هي التي شكلت فيما بعد اساس اتهامه بإفساد الشباب .
وعندما بلغ السبعين حوكم بثلاث تهم : إنكار الآلهة القومية ، تنصيب آلهة جديدة خاصة به ، إفساد الشباب .
- لا شك في أن سقراط قد خلق له أعداء شخصيين ، فهو في مجادلاته لم يكن يجرح فحسب الرجال الأقوياء في أثينا بل أظهر أيضا جهل أولئك الذين يتظاهرون بالحكمة . ولقد اعتقد سقراط حكم الدولة يجب أن يقوم في أيدي الحكماء والعادلين والأخيار ، وهؤلاء قلة . لقد وجهت إليه التهم لأن العقلية الشعبية قد خلطت بينه وبين السوفسطائيين ، سواء في طريقة حياته أو في اتجاه تفكيره ، وقد وقع سقراط ضحية لغضب الجماهير من السوفسطائيين .
- ولقد تبدى سقراط في المحاكمة رزينا وممتائا بالثقة . ولم يكن دفاعه عن نفسه بقدر ما كان اتهامه لقضاته وسكان أثينا على فسادهم ، وموقف سقراط هذا هو الذي أدى إلى إدانته ، ولقد اقترح متهموا سقراط عقوبة الاعدام .
وقد أمضى ثلاثين يوما في السجن قبل إعدامه ، وحثه أصدقاؤه على الهرب ، وكان يمكن لسقراط أن يهرب ، غير أنه أصر على الرفض قائلا : أن الهرب من الموت جبن ، وأن على الإنسان أن يطيع القوانين . وبعد ثلاثين يوما حمل إليه كأس مسموم وقد شربه بشجاعة .
غير أن موت سقراط ، كان يعني في الوقت ذاته ولادة نظرية جديدة إلى العالم تقوم على المعرفة ، لا على الإيمان بالقدر أو الخوف من انتقام الآلهة . إن محاولة سقراط إرساء قناعاته على حجج العقل ، لا على إرادة الآلهة ، كانت سببا في تعرض فلسفته للنقد .
فلسفته - (اعرف نفسك ، الفضيلة) :
إن معرفتنا بتعاليم سقراط مستمدة أساسا من مصدرين : أفلاطون واكزينوفان . لقد جعل أفلاطون في محاوراته سقراط هو لسان الحال الناطق بتعاليمه هو ، ولكن أفلاطون عندما كان تلميذا لسقراط معنيا بالتعبير على أحسن وجه عن المذهب السقراطي . والأحداث والمحاورات تحتوي على جوهر وقلب فلسفة سقراط .
والتعاليم السقراطية أخلاقية في جوهرها . لقد أولى سقراط مشكلة الإنسان اهتماما خاصا ، إنه ينحي جانبا المشكلات المتعلقة بأصل العالم أو طبيعة الحقيقة المطلقة ، وهو يندد بمثل هذه التأملات ويعتبر كل هذه المعرفة بلا قيمة بالنسبة للمعرفة الأخلاقية ، معرفة الإنسان . إن التعاليم الأخلاقية عند سقراط متأسسة على نظرية المعرفة . فقد كان عمل سقراط هو تأسيس المعرفة على العقل ، ومن ثم يستعيد للحقيقة موضوعيتها .
إن كل معرفة هي معرفة من خلال المفاهيم . وسقراط حينما يضع المعرفة كلها في المفاهيم Concepts إنما يجعل العقل أداء المعرفة . إن سقراط يستعيد الإيمان بالحقيقة الموضوعية الصادقة بالنسبة للجميع .
فالمفاهيم تتكون استقرائيا عن المقارنة لعديد من أمثلة فئة من الفئات ، إن الاستدلال الاستقرائي معني بتكوين المفاهيم .
والتعريف يتكون بالطريقة نفسها التي يتكون بها المفهوم بإدراج الصفات العامة لفئة الأشياء وإستبعاد الصفات التي يختلف فيها أعضاء الصفات . والتعريف هو مجرد التعبير عن المفهوم بالكلمات . إذا أثبتنا مثلا تعريفا لكلمة إنسان يمكننا أن نقارن أي شيء بذلك التعريف ونحدد ما إذا كان إنسانا أم لا .
المعرفة إذن تعني المعرفة بالأشياء كما هي على نحو موضوعي في إستقلال عن الفرد ومثل هذه المعرفة هي معرفة بمفاهيم الأشياء .
غير أن النظرية السقراطية في المعرفة لم تكن مطروحة لذاتها بل هي مطروحة لغايات عملية . إنه يريد أن يعرف ما هو مفهوم الفضيلة لا لشيء سوى ممارسة الفضيلة في الحياة .
ان التعاليم السقراطية توحد بين الفضيلة والمعرفة . لقد آمن سقراط ان الإنسان لا يستطيع أن يسلك على نحو فاضل إلا إذا عرف أولا ماهية الفضيلة أي إذا عرف مفهوم الفضيلة . وهكذا يتأسس على المعرفة ويجب أن ينبع منها . أن الإنسان إذا حصل على المعرفة لا يستطيع أن يتصرف على نحو خاطئ . ان كل فعل خاطئ يصدر عن الجهل ، وإذا عرف الإنسان ما هو الفعل الصواب فإنه يجب وسيفعل ما هو حق .
من جهة ثانية ، ليست مهمة الفلسفة ، عند سقراط النظر إلى الطبيعة ، بل تعليمنا كيف نعيش . فالمعرفة الحقة هي معرفة النفس فقط ، والمهمة الأساسية للمعرفة - معرفة الذات "أعرف نفسك" .
وهكذا يرد سقراط جميع الافعال السيئة إلى الجهل أو الضلال ، ويرد الفضيلة إلى المعرفة الكاملة .
لقد أحدثت نظرية المفاهيم ثورة في الفلسفة ، وعلى تطورها تأسست فلسفة أفلاطون .
أفلاطون (427 - 347 ق. م. ) Platon
حياته وآثاره :
إنحدر أفلاطور من أسرة أثينية ارستقراطية وكان يمتلك ثروة تمكنه من أن يحيا حياة رغيدة وأن يكرس وقته للفلسفة .
ولقد تركت وقائع الحرب البلوبونزية ، واضطراب شؤون البلاد الداخلية تأثيرا بالغا على تاريخ حياة أفلاطون ، فهو لم يستطع أن يتلاءم مع حكم الغوغاء ، فهو قد استاء من فوضى الديمقراطية ومن طغي الارستقراطية على السواء .
نال أفلاطون تربية حسنة ، وكان استاذه طراقليوس من أتباع هراقليطس ، وقد تعلم منه آراء ذلك الفيلسوف . غير أن الحدث الحاسم في شبابه وفي حياته كلها هو ارتباطه بسقراط .
لقد ظل أفلاطون الصديق والتلميذ المخلص لسقراط . ولقد شكلت آراء وشخصية الاستاذ الدافع الثقافي الأكبر لحياة أفلاطون وكانت هي الملهم لكل تفكيره ، فقد أصبح سقراط بالنسبة له النمط والنموذج للفيلسوف الحق .
وبعد وفاة سقراط بدأت مرحلة ثانية في حياة أفلاطون وهي مرحلة الترحال . لقد هاجر إلى ميجارا ، حيث كانت الفلسفة هناك مركبة من فكر سقراط وفكر الايليين . وتحت تأثير أقليدس قد شكل وكون تعرفه العميق بتعاليم بارمنيدس . ولقد سافر إلى قورينة ومصر وإيطالية وصقلية ، واتصل بالفيثاغوريين . وفي صقلية ، غضب عليه طاغي سيراقوصة (ديونسيوس) وطرحه في سوق النخاسة ، ولقد نجا من مصير العبودية والرق أفتداه اينساريس القوديني ، ومن ثم عاد أفلاطون إلى أثينا .
بعد عودته إلى أثينا ، أسس أفلاطون مدرسة أطلق عليها اسم الأكاديمية وفيها جمع حوله حلقة من التلاميذ والمريدين . وقد انشغل بقية حياته "حوالي أربعين عاما" بإدارة المدرسة التي أسسها وبالنشاط الأدبي ، ولم تنقطع فترة أستاذية أفلاطون هذه إلا برحلتين إلى صقلية . لقد وجه ديونسيوس الأصغر الدعوة لأفلاطون للانضمام إلى بلاطه وطلب منه أن يكون مستشاره . فقبل أفلاطون الدعوة . غير أن البعثة انتهت بالفشل ، وغادر أفلاطون وعاد إلى أثينا . وبعد بضع سنين دعاه ديونيسيوس ثانية ، وقبل الدعوة ، غير أن الرحلة انتهت كالأولى بفشل ، فعاد أفلاطون إلى أثينا وهو في السبعين وظل بها إلى وقت وفاته ، وهو في الثانية والثمانين من عمره .
لقد اتخذت كتابات أفلاطون شكل المحاورات وفي معظمها يشغلها سقراط الذي وضع أفلاطون على لسانه عرض فلسفته هو الخاصة . والمحاورات عبقرية في بنائها الدرامي . ومن العناصر الهامة في أسلوب أفلاطون استخدامه للأساطير . وقد امتد نشاطه الأدبي لفترة لا تقل عن خمسين عاما .
تنقسم المحاورات إلى ثلاث مجموعات رئيسية :
- فالمجموعة الأولى كتبت في حوالي زمن وفاة سقراط ، وهي تشمل : "هيباس الأصغر" ، و"ليسيس" ، و"خارمدس" ، و"لاشيس" ، و"طيفرون"، و"الدفاع"، و"كريتون"، و"بروتاغوراس".
وكل هذه المحاورات قصيرة وبسيطة ، وكلها كانت لا تزال تحت تأثير سقراط وذلك من ناحية الأفكارة الواردة فيها . فلم يكن أفلاطون قد طور بعد أية فلسفة خاصة به ، فكان يعرض بالشرح لفلسفة سقراط ، أي قضايا الفضيلة ... وتتسم هذه المحاورات باللغة السحرية والفنية .
- والمجموعة الثانية من المحاورات ، نجد أن أفلاطون يطور أطروحته الفلسفية الخاصة ، فنجد المبدأ المحوري والسائد في فلسفته وهو نظرية "المثل" التي تهيمن على كل أفكاره .
وربما كانت محاورتا "جورجياس" و"ثيتيتوس" أقدم هذه المجموعة الثانية . وفيهما تفنيد للآراء السوفسطائية وتبيان الخطأ فيها . والمحاورات الأخرى هي "السوفسطائي" ، و"السياسي" ، و"بارمنيدس" . وتناقش فكرة الوجود واللاوجود وعلاقتهما بنظرية المثل ، وكذلك مشكلة الحقيقة المطلقة .
- وتعد محاورات المجموعة الثالثة من الانتاج في مرحلة النضج ، وهي تتميز بعمق الفكر وبالموهبة الأدبية . وهذه المرحلة تقوم بتطبيق منهجي لنظريقة المثلى .
ان محاوة "المأدبة" تعالج موضوع ميتافيزيقا الحب ، فهي تربط بين شعور الانسان بالجمال والمعرفة العقلية للمثل . وتطبق محاورة "فيليبوس" نظرية المثل على مجال الأخلاق ، وتؤسس محاورة "فيدون" عقيدة خلود النفس على نظرية المثل ، وتطبق محاورة "طيماوس" على مجال الفيزياء ، وتطبق محاورة "الجمهورية" على مجال السياسة . وربما توضع محاورة "فايدروس" مع محاورة "المأدبة".
ان المرحلة الثالثة يمكن وصفها بالمرحلة المنهجية والمذهبية ، وتبدو جميع تفاصيل المذهب على أنها تتبع من المبدأ المحوري لتفكير أفلاطون وهو نظريقة المثل . ان فلسفة أفلاطون هي في حد ذاتها كيان من الفكر مذهبي ومتماسك .
فلسفته - (المثل - الجمهورية) :
تنقسم فلسفة أفلاطون إلى الجدل ، والفيزياء ، والأخلاق . ان الجدل أو نظرية المثل هي مذهب أفلاطون في طبيعة الحقيقة المطلقة . والفيزياء هي نظرية الوجود الظاهري في الزمان والمكان . وتشمل الأخلاق السياسية .
- يرى أفلاطون أن عالم الأشياء الحسية ليس بالعالم الحقيقي ، ذلك أن الأشياء المحسوسة في تغير مستمر ، تنشأ وتفسد ، ولا تحتوي على أي شيء يقيني وثابت - اما الماهية Essence الحقيقية للأشياء الحسية وعلتها ، فصور مفارقة بريئة من المادة ، لا محسوسية ، تدرك بالعقل Raison فقط ، تسمى الأفكار أو المثل Ideas ، وان لكل صنف من المحسوسات هناك في عالم المثل ، فكرة أو مثال يقابله . وهذا المثل هي علة المحسوسات والنموذج Model الذي صنعت عليه ، والغاية التي تنزع اليها والمفهوم الذي يعبر عن الاساس العام لأشياء كل صنف .
ان كل ما في الأشياء من وجود يأتيها من "المثل" ، كونها علتها وصورتها . وتشكل "المثل" أهراما على قمته فكرة "الخير" و"الحب" ، و"الجمال" . وهذه الفكرة هي علة وجود الأشياء ، وشرط معرفتها ، وهي التي تمنحها ماهيتها . فالخير ليس العلة الأسمى للوجود فحسب ، بل وغايته أيضا . وهذه المثل خالدة ، لا تتكون ولا تفسر ولا تتغير ولا تتعلق بالشروط المكانية والزمانية . بينما عالم الأشياء المحسوسة هو عالم التغير والفناء .
ان المثل تدرك بالحدس العقلي ، بمعزل عن إدراكاتنا الحسية عن العالم الخارجي ، في حين تدرك الأشياء المحسوسة بالظن .
ومن هنا كانت المعرفة عند أفلاطون ، هي ذكر ، فقبل أن تحل الروح في الجسم طافت في عالم المثل وتعرفت هناك على الوجود الحقيقي الأصيل . وعندما تتحد بالجسم تنسى ما كانت قد عرفته من قبل أن تهبط إلى الأرض . ولكن الروح لا تزال تحتفظ بذكرى ما شهدته في عالم المثل ، وعندما تدرك الروح الموجودات ، تعود بها الذاكرة إلى المعرفة ، إلى المثل . إذا المثل كلية ثابتة وغير فانية ، وهي تشكل ماهيات الأشياء جميعا ، وهي خارج المكان والزمان . وكل مثال هو في نوعه كمال مطلق وكمال هو عين حقيقته .
فالانسان الكامل هو النمط الكلي الواحد أي مثال الإنسان ، وكل الأفراد يشتقون من هذا النمط الكامل ، كما أن المثل عقلانية أي أنها يتم استيعابها من خلال العقل . ويترتب على هذه النظرية الشاملة للمثل أن هناك مصدرين للتجربة الإنسانية هما : الإدراك الحسي والعقل . الادراك الحسي موضوعه عالم الحس ، وموضوع العقل هو المثل . ان المثل حقيقة مطلقة ، وجود مطلق .
- ان هدف "جمهورية" أفلاطون هو تأسيس السياسة على نظرية المثل بتصوير مثال الدولة ، إذ يجب أن تكون لدينا دولة تتأسس على العقل والفلسفة . وأن تأسيس الدولة على العقل هو المحور الأساسي في السياسة عند أفلاطون .
لما كان على الدولة أن تتأسس على العقل فإن قوانينها يجب أن تكون عقلية ، والقوانين العقلية لا تتم إلا بالناس العقلانيين ، أي الفلاسفة . "يجب على الحكماء أن يكونوا فلاسفة" .
والمبدأ العامل الوحيد للدولة هو العقل ، والمبدأ الثاني هو القوة ، والمبدأ العامل الثالث هو العمل .
وعلى هذا فمقابل المبادئ الثلاثة توجد ثلاثة طبقات أو وظائف ، ان العقل يتجسد في الحكام - الفلاسفة ، والقوة تتجسد في المحاربين والعمل يتجسد ف يالجماهير .
ويقوم بتقسيم وظائف الدولة على التقسيم الثلاثي للنفس : فمقابل النفس العاقلة الحكام الفلاسفة ، ومقابل النصف الأنبل من النفس الفانية المحاربون ، ومقابل النفس الشهوانية الجماهير . وفضيلة الحكام الفلاسفة هي الحكمة ، وفضيلة المحاربين هي الشجاعة ، وفضيلة الجماهير هي الاعتدال، وانسجام هذه الفضائل وتناغمها يفضي إلى العدالة .
ومهمة الحكام الفلاسفة هي الانشغال بالفكر ودراسة الفلسفة والمثل . ومهمة المحاربين هي حماية الدولة ضد الاعداء الخارجين وضد الدوافع الشهوانية لجماهير مواطني الدولة . والجماهير تنشغل بالتجارة والزراعة . والدولة هي التي تختار وظيفة الفرد بناء على قدرة كل فرد . ولما كانت غاية الدولة هي فضيلة المواطنين فإن هذا يتضمن القضاء على الشر وتشجيع الخير .
وفي رأي أفلاطون ، غير مسموح أن تكون للفرد مصلحة بمعزل عن مصالح الدولة ، والفرد لا يستطيع أن تكون له ملكية سوى الأشياء المادية أو أفراد أسرته . اي يعتبر أفلاطون الملكية الخاصة والأسرة مصدر النزاع ، الذي يتهدد وحدة المجتمع . ولذا يقترح في جمهوريته لإقامة "المدينة المثلى" أن يحرم القادة والجند من حق التملك ، وان تباح مشاعية النساء ، وأن تتولى الدولة تربية الأطفال .
لقد كان لفلسفة أفلاطون تأثير عظيم على مجمل تطور الفكر الفلسفي اللاحق ، إذ أصبح أفلاطون مؤسس الفلسفة الحقيقية ، كما أنه المؤسس العظيم للمثالية والمبادرة لكل الحقائق التالية في الفلسفة .
ارسطو (384 - 322 ق. م.) Aristote
حياته وآثاره :
ولد ارسطو في عام 384 ق. م. في "ستاجيرا" وهي مستعمرة يونانية . وكان أبوه طبيب بلاط الملك امينتاس المقدوني . وبعد موت أبيه أرسل إلى أثينا المركز الثقافي للعالم لاستكمال تربيته ، وكان آنذاك في السابعة عشرة من عمره . وقد بقي مدة عشرين سنة في أكاديمية أفلاطون ولم يتركها إلا عند وفاة أفلاطون .
وفي عام 384 ق. م. مات أفلاطون واختير ابن أخته رئيسا للأكاديمية وقد غادر ارسطو أثينا مع زميل دراسته إلى بلاط "هرمياس" ملك أنارنيوس في آسيا الصغرى .
ومكث ارسطو ثلاث سنوات ، وهناك تزوج بإبنة عم الملك . وفي أواخر حياته تزوج للمرة الثانية وأنجب ولدا هو "نيقوماخوس" . وبعد سقوط هرمياس توجه أرسطو إلى ميشلين وهناك ظل لعدة سنين إلى أن تلقى دعوة من فيليب ملك مقدونيا لكي يكون مربيا للاسكندر الشاب ، وكان آنذاك في الثالثة عشرة من عمره . ولبى ارسطو الدعوة وواصل تربية الاسكندر لمدة خمس سنوات . ولا شك في أن أبحاثه الفلسفية والعلمية كان معززا بتأثير البلاط . وعند وفاة الملك فيليب تولى الاسكندر الملك وقد انتهت حقبة دراسته ، وانتهت مهمة ارسطو فعاد إلى أثينا ، ولقد وجد المدرسة الأفلاطونية مزدهرة ، كما وجد أن الأفلاطونية هي الفلسفة السائدة في أثينا . ومن ثم أنشأ لنفسه مدرسة خاصة به عرفت باسم "المشائية" ، وهو اسم جاء من عادة ارسطو المشي وهو يلقي محاضراته .
واستمرت فترة إقامته في أثينا ثلاث عشرة سنة وكان أرسطو مشغولا خلالها برئاسة المدرسة والأعمال الأدبية . ويبدو أن هذه الفترة كانت مثمرة جدا من فترات حياته .
وبعد وفاة الاسكندر الأكبر فجأة ، انفجر شعور عام ضد مقدونيا ، ولقد كان ارسطو مثلا وراعيا للبلاط المقدوني . وحتى يفلت من العقاب هرب إلى خاليكس في أيوبياي . وهناك انتابه مرض فجائي ، ومات في سن الثالثة والستين في عام 322 ق. م.
يقال أن ارسطو قد ألف حوالى أربعمائة كتاب "فصلا" وقد فقد أكثر من ثلاثة أرباع هذه الكتابات ، ولكن ما بقي هو الجزء الأهم وقد توفر فيه قدر كامل من المذهب الأرسطي في كل أقسامه .
وبالرغم من النواقص فإن الكتابات هائلة في الحجم وواضحة بما فيه الكفاية .
ويبدو أن مؤلفاته قد كتبت خلال الثلاث عشرة سنة من حياته وهو في أثينا أي بعد أن تجاوز الخمسين . ولهذا كان مذهبه مكتملا وناضجا وفي كامل تطوره . ان ارسطو قد بدأ أعماله عن المنطق ، ثم عن العلم الفيزيائي ثم الكتب الأخلاقية السياسية وأخيرا كتاب الميتافيزيقا الذي ترك ناقصا .
لقد كان ارسطو فيلسوفا وصاحب تعاليم شاملة لم يكن هناك فرع من فروع المعرفة لم يجذب انتباهه ولم يكن خبير فيه . لقد كان مستوعبا كل العلوم الموجودة ، وهو مؤسس علمين على الأقل "المنطق" و"علم الحيوان" . وتشمل أعماله أبحاثا عن المنطق والميتافيزيقا والأخلاق والسياسة والفن . وكتب عن مبادئ الخطابة وعلم الفلك ، وعلم البيولوجيا .
لقد كانت الإختلافات بينه وبين سابقه التي كانت أكثر وضوحا بالنسبة له ، ولهذا كان مهتما أن يتخذ موقفا إشكاليا منها ، تجاه أفلاطون على نحو شامل . ويعتبر ارسطو واحد من اكبر مبتدعي المصطلحات في العالم . ولقد اخترع عددا هائلا من المصطلحات ، فهو يعد مؤسس اللغة الفلسفية لأنه مخترع قاموس من المصطلحات الفنية .
ومذهب ارسطو ينقسم إلى خمسة أقسام هي :
- المنطق
- الميتافيزيقا
- الفيزياء
- الأخلاق
- السياسة
فلسفته - (الميتافيزيقا - المنطق) :
المنطق - يعترف ارسطو بوضوح بالاستقراء Induction ، لكنه لم يصغ بوضوح القوانين الأساسية للتفكير الاستقرائي . ولهذا فإن اسمه يقترن بصفة خاصة بالمنطق الاستنباطي الذي كان هو مؤسسه ، والذي يعرف بـ "المنطق الصوري" .
وكتاباته عن الموضوع تشمل تناوله لقوانين الفكر ومذهب المقولات العشرة والمحمولات الخمسة ومذهب الحدود والقضايا والقياس ورد الأشكال الأخرى للشكل الأول من القياس . ومن ثم فإن منطق ارسطو يحتوي كل ما هو جوهري في هذا الموضوع .
المنطق Logique ، عند ارسطو ، نظرية البرهان وعلم دراسة أشكال التفكير ، الضرورية للمعرفة . يرى ارسطو أن العلاقات القائمة بين الأفكار تعكس الروابط الموجودة وجودا موضوعيا . فالعلاقة بين الذات "الموضوع" المنطقية وخبرها (محمولها Predicate) في الحكم Judgment يمكن أن تقابل ، أو لا تقابل ، علاقات قائمة في الواقع ذاته . أما العلاقة بين مفاهيم القياس Syllogism فإن لها قيمة موضوعية. ان الأساس المنطقي في القياس ، القائم على معرفة السبب يتطابق مع السبب الواقعي ، ومن هنا تنبع ضرورة التسلسل المنطقي في القياس .
ليس المنطقي ، عند ارسطو علما مستقلا ، بل آلة (أورغانون Organon) لجميع العلوم . وهو يسمى المنطق تحليلا . ان المنطق في الفهم الارسطي يبحث في الطرق التي بواسطتها يمكن تحليل قضية ما إلى عناصر ، تصلح لأن تكون أساسا لتفسيرها .
هذا الفن يسميه ارسطو بالعلم ليعبر بهذا المصطلح عن البحث العقلي ، الذي يمكننا من التمييز بين شروط البرهان واشكاله ودرجاته ويدلنا على المبادئ الأخيرة التي لا يمكن بعدها رد (تحليل) الموضوع إلى العناصر التي تفسره .
يولي ارسطو في أبحاثه المنطقية اهتمامه للقضايا الثلاث التالية :
- قضية طريقة المعرفة الظنية .
- قضية الطريقتين الأساسيتين في الكشف عن المعرفة ، الظنية واليقينية ، التعريف والبرهان .
- قضية طريقة إيجاد مرتكزات المعرفة - الاستقراء .
كل الأشياء في نظر أرسطو ، تقوم على إتحاد الشكل والمضمون ، أو الهيولي والصورة . وثمة أربعة أسباب تشكل أساس كل شيء موجود في العالم :
- المادة أو القدرة السلبية للصيرورة .
- الشكل (جوهر الموجود) أو ما تتحقق قدرته في المادة فقط .
- بدء الحركة .
- بدء الغاية .
ولما كانت الهيولي والصورة هما المقولتين الرئيسيتين في فلسفة ارسطو ، وبها يهتدي إلى تفسير الكون ، فإنه من المهم أن نفهم خصائصها . فالهيولي والصورة غير منفصلتين في الواقع. فلا يوجد شيء باعتباره صورة بدون هيولي أو توجد هيولي بدون صورة . ان كل شيء موجود ، أي كل شيء فردي هو مركب من الهيولي والصورة .
إن الصورة هي الكلي والهيولي هي الجزئي ، لأن الصورة هي المثال (والمثال هو الكلي) . والكلي لا يوجد إلا في الجزئي ، والذي هو المحور الرئيسي في فلسفة ارسطو .
لقد ظهرت مثالية ارسطو بأوضح ما يكون في مبدأ الشكل الذي اعتبره جوهر الموجود وعزا إليه الخلود والثبات ، كما ظهرت مثاليته في المحرك الأول (الله) الذي هو مصدر كل حركة .
كان ارسطو ، وهو واحد من أعظم مفكري البشرية ، محصورا بالمجتمع العبودي مثل أفلاطون ومن وجهة النظر هذه أخذت آراؤه الاجتماعية - السياسية تقبل بـ "عدالة" تقسيم الناس إلى عبيد وسادة ، وعلى هذا يتحدد مصير العنصر الأولي وهو النفس . ورأى أن من الأنسب قيام دولة العبيد على حكم ديمقراطي يقوم به مواطنون من الطبقة الوسطى .
ان فلسفة ارسطو هي أعظم عرض للحقيقة في العصور القديمة . ان فلسفته هي ذروة الفكر وخلاصة الروح الفلسفية اليونانية . ان ارسطو من أعظم أعلام العلم في العالم القديم ، وهو أعظم فيلسوف قديم .